العرافة

27 سبتمبر 2011

ذلك المكتب هو حياتها ، قضت أعوام الدراسة الجامعية لتتخرج وتعمل في ذلك المكتب، مكتب أبيها، أحلامها عادية، الفارس والحصان الأبيض،  ولكن العمل قد طغى على ذلك ، أصبحت يوميا تنهض مبكرا  ،تأخذ دشا باردا، تُفطر ، ثم ترتدي ملابس العمل، و من ثم تنزل للمكتب. المسافة إلى المكتب كانت بعيدة لأن تأخذها سيرا على الأقدام؛ ولذلك فهي تستقل الحافلة، تنتظرها دائما عند آخر الشارع التي تقطن به، تحب القراءة، تستغل وقت الذهاب والعودة في قراءة الروايات، هذه الرواية كانت تهرب بها من الواقع لعالمها الخيالي.

تلك الأعمال المكتبية كالحسابات والأوراق، أغرقها، فالعمل أصبح العنصر رقم واحد في حياتها، ومن الصعب أن تغيره. في نهاية اليوم، بعد الوصول للمنزل، تجهز العشاء، وتجلس قبل الطعام محدقة في الصورة المعلقة على الحائط في الصالة، صورة أبيها والشريط الأسود فوقها، تتأملها، وتتنفس الصعداء، وتبدأ في تناول الطعام.

أحيانا كانت تزور صديقاتها،  ولكن في معظم الأحيان كانوا يزوروها، لعل وحدتها هي السبب، الزيارة القصيرة التي تدوم الساعة ولا تتعدى الساعة ونصف الساعة، تنسيها الوحدة، وبعد رحيلهم، تعود لصديقتها الأولى، الوحدة.

*****

مجرد يوم في وسط الاسبوع، كباقي الأيام، ركبت الحافلة كعادتها. تجلس في مقعدها المعتاد بجوار النافذة،  وهاهي تخرج الرواية، وتتابع القراءة من حيث توقفت بالأمس، روايتها تأخذ منعطفا خطير، البطل يوشك على الموت، الرصاص يتناثر، البطل يقفز . . . و . .

  • أتملكين منديلا أيتها الشابة ؟!

تلتفت إلى جوارها،  إنها سيدة عجوز، شعرها فضي اللون . . . عيناها غائرتين . . صوتها كالفحيح . . تنظر إليها . . .

  • منديل ؟

تبحث في حقيبتها وتخرج منديلا ورقيا ، وتسلمه للعجوز .

  • تفضلي ياخالة .

  • شكرا يا أيتها الشابة .

تنظر لتلك العجوز وهي تمسح أنفها، لابد أنها نزلة برد، وتعاود قراءة الرواية . .

ولكن العجوز تستوقفها . .

  • إلى متى ستظلين تقرأي ؟!

  • إلى حين أصل للعمل . .

  • لا أقصد ذلك . .

  • ماذا تقصدي ؟!

  • لا أعني اليوم بل عامة، إن القراءة لن تفيدك كثيرا في حياتك .

  • وماأدراك . . ؟

  • استمعي لي،  أحمل لكي نبؤة . .

  • نبؤة ؟

  • نعم،  أتريدين معرفتها ؟

عادة . . هي لاتثق بكلام العرافين، تعتبرهم دجالين، محتالين؛ كل همهم أن يوقعوا بالانسان الذي يقف أمامهم ويستغلوه،  ولكنها لم تقابل أحدهم، تسمع عنهم من أصدقائها والعاملين بالمكتب .

وياللقصص التي يروجوها عنهم؛ ذلك الرجل مبروك، ويرى المستور، تراهات . . . كلها ترهات .

ولكنها الآن جالسة إلى جوار أحدهم، وهاهي العجوز تهم بإخبارها عن مستقبلها أو ماسيحصل لها قريبا، أستستمع لها، وهي لا تقتنع بحقيقتهم .

أسيضرها إذا استمعت لتلك العجوز، تنظر للعجوز و ترى كيف أن الزمن قد ترك علاماته وأوقاته على وجهها، ترهبها قليلا، ولكن ماذا سيضرها ؟

  • أخبريني ماعندك ؟

  • اسمعيني جيدا ، انها ليست نبؤة جيدة .

ارتبكت الفتاة وقالت :

  • تابعي . .

  • اليوم، إلى أن تغرب الشمس،  قومي بإنجاز ما عليكي، فستلقين حتفكعما قريب . أعذرني كان علي أن أقول لك ذلك .

ارتعدت الشابة والتزمت الصمت، وهرعت لروايتها،  كيف تستمع لهذه العجوز؛ كم هي حمقاء لتفعل ذلك، ولكنها قد وصلت للمكتب، نزلت عن الحافلة، وتركت العجوز، تلك العجوز ذات النظرة المخيفة والعيون الغائرة.

*****

تدخل المكتب، تتوجه حيث تعمل، وتجلس، كلام تلك العرافة قد أثر فعلا فيها، القلق يساورها، ولكنها في مأمن، لقد قالت اليوم ستتم هذه الحادثة .

يدخل الساعي وبيده فنجان القهوة اليومي .

  • تفضلي يا أستاذة .

لم ترد . . هذا الموضوع قد احتل ذهنها،  كلمات العرافة تتردد في ذهنها .

هذا اليوم لم تنجز الكثير من عملها، بل أجلته، وكل هذا للتفكير، كيف هذا يحدث، ألم كانت لا تؤمن بكلام هؤلاء، كانت تحتقرهم، والآن تستمع لهم، تجادل نفسها ذهابا وإيابا في أركان عقلها،  ما بين أنه كلام قد يحدث و بين أنه كلام كاذب، ليس له أساس من الصحة، لقد تغير يومها .

*****

تركت مكتبها وخرجت، إنها تفكر فيما ستفعل، إن حياتها على وشك الإنتهاء، تسارع في الرحيل. تستقل سيارة الأجرة، وكلمات العرافة تجلجل في أذنيها.

وصلت المنزل، تدخل . . تسقط على المقعد من شدة التعب، شريط من الذكريات والأحلام تمر بمخيلتها، ماقد حدث وما حلمت به، تتذكر كلمات الأمل قد تحدث عنها والدها :

  • حينما يذهب الأمل، فلا حياة ممكنة، لايمكن أن تعيش بدون الأمل، لأنه أكسجين الحياة،  اليأس يعني النهاية. . مثبط الحياة .

تلك الكلمات أوقفنها لوهلة .

  • ياللحماقة، ماذا أفعل ؟ لقد انصعت لتلك الدجالة.

وكأن كلمات والدها ذات طابع ساحر، تحركت من مقعدها، واتجهت للدورة المياه، وغسلت وجهها، ونظرت للمرآة . . وقالت لنفسها:

  • كوني قوية،  لن تقتلكي بضعة كلمات.

رحلت واتجهت للمكتب، ولكن هذه المرة، كانت في حماس عظيم.

الشوارع شبه فارغة منتصف اليوم، استقلت سيارة الأجرة وانطلقت.

*****

أنهت أعمالها، وياله من يوم به شبه تغيرات فكرية محورية،  ولكن اليوم قد انقضى، ورجعت المنزل وهي تضحك؛ الضحكات هيستيرية، كيف صدقت تلك العجوز، لم يحدث شيء، قامت كالعادة تحضر عشائها، وتناولته. وحضرت بعض صديقاتها، وأخبرتهم بما حدث و تصاعدت ضحكاتهم، وانتهى اليوم . . يالها من مفارقة .

حان وقت النوم، تمتمت في هدوء يحمل الراحة في كفه :

  • انتهى اليوم.

وغطت في نوم عميق . . .

تستيقظ في الصباح، اليوم عادي كأي يوم آخر . . .

ترتدي ملابس العمل، وتفطر، وتهم بالنزول، تتذكر ماحدث بالأمس،  وتندم لأنها تركت العرافة تحدثها وتعبث بعقلها، وهي تفكر . . . تلتفت ليمينها ، فإذا بسيارة مسرعة تنتشلها من على الأرض وتلقيها على الجانب الآخر من الطريق.

كل ماتفكر فيه هو النهاية .

إلى أن ارتطمت بالأرض الصلبة، شهقة عالية، الظلام هو مايحيطها.

انها مازالت تتنفس . . .

انها مازالت في سريرها . . مجرد كابوس، أطغاث احلام، صراعات نفسية . . . خطؤها الوحيد بأنها أمنت قليلا بالعرافة . . . ولكن أيامها عادية وظلت عادية .

*****

من أوراق 2008

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: