عِشُ الغُرَاب

17 نوفمبر 2011
Raven's Nest

ظلٌ يلي ظل تحت ضوءِ القمرِ، كُنت أتأمل النجوم، يالها من ليلة! النسيمُ يخترقُ أنفي لأشعر بسعادةٍ عارمة.
الليلُ أمسى ملاذي وعوني.
بعضُ الناسِ يخافوا الليلَ وظلامَه؛ الظلامُ الذي يخفي الكثيرَ مما لانرى، البعضُ الآخر كالخفافيش لا يستيقظوا إلا في بدايةِ الليلِ .
*****
هذه الليلة لم تكن كباقي الليالي التي عرفتها، كنت أقرأ بعضا من سطور الشعر، هذه السطور الحزينة هي اللائقة لبداية فصل الخريف الذي قد حل.
دُق الباب، فقمت عن الكرسي الذي تعودت على اهتزازه وقت القراءةِ، اتجهت نحو الباب. فإذا بالريح هو الطارق.
"لا أحد هذا ماكان ينقصني.
أغلقتُ البابَ ورجعت لمكاني، وقبل أن أجلس، فكرت أنه من الأفضل أن أصنع فنجاناً من القهوة لينعشني.
اتجهتُ للمطبخ وأشعلت الموقدَ وهممت بوضع السكرِ والقهوةِ، وإذا بي أفكرُ، تلك الأفكار تراودني في الليلِ، حلمٌ بعيدُ المنالِ أن اصبح كاتباً مشهوراً، وأخذتُ أتمتمُ بتلذذٍ كأنها موسيقى 
"الليل مكان ٌ . . الليل زمانٌ . . الليل إلهام كل فنانٍ".
بعضُ السطورِ ليس منها ضير، اتجهتُ حاملاً الفنجان إلى الكرسي الهزاز، وريثما جلست فإذا بالباب يُدَق مرةً أخرى ، ولكن هذه المرة بعنفٍ.
*****
هذا المنزل قد ورثته عن جدي، ذلك المولع بالقراءة، بالموسيقى، تقريباً كل أنواعِ الفنونِ، في عنفوانِ شبابِهِ قد كَدّ في عملِهِ لكي يَبني هذا المنزل ليكون مَكَانَ راحتِهِ بَعْدَ سِنِينِ الكَدّ، وهذا الكرسي العتيق قد شَهِدَ سَيرَ عيناه على الكلمات، قد تَعِبَ كثيراً حتى نالَ مُرَادَه؛ مزرعةٌ صَغِيرةٌ يتوسطها منزلٌ صغيرٌ، لقد زَرَعَ جنةً على الأرضِ، كان يؤمنُ بأن الحياةَ البسيطة هي الأفضل لكل بني البشر.
*****
تقدمت نحو الباب آملاً أن أجد ماهو مريب؛ لعل الشغف هو مايكتسيني الآن، وقبل أن أفتحَ البابَ، غرقتُ في حُلُمٍ، أن يكون خلف البابِ شخصٌ غريبٌ، فأدعوه وأجلس لأتحدث معه، أحياناً أشتاقُ للتسامرِ مع الناسِ.
كرهتُ الناسَ، الطمعُ و اللاأخلاقيات أصبحت سِمَاتهم الأساسية، النفاقُ والرياءُ هم الوسيلة.
ولكن أشتاق للتسامرِ.
أفتحُ البابَ وإذ بالهواءِ يُمَازِحُني مرةً اخرى، ذلك البابُ الخشبي أصَبَحَ لايُطَاقْ؛ كالوحدة تماماً. سأرجع لمكاني.
*****
كُنْت أعيشُ في وسطِ المدينةِ. كُنْت مُوَاطِناً عَادِياً، كلُ ماأعرفُه عن هذهِ المزرعة هو حديثُ جَدْي، في بادئِ الأمر لم استسغ فكرةَ العيشِ فيها، كلُ ما حلمت بهِ هو منزلٌ في نفسِ المدينةِ، الأثاثُ العَصْرِي؛ كلُ ركنٍ في هذا المنزل على الطرازِ الغربي، كُنْت مبهوراً بالغربِ.
ولكن كل ماكُنْت أراهُ في الحقيقةِ هو تهاوي الفضيلةِ في مستنقعِ المُحرماتِ، الأحداثُ اليومية في المدينةِ تقتلني، الجرائم . . الشرطة . . . الباعة . . . النفاق . . . المادةُ أصبحت الوسيلة والغاية والهدف!
*****
حِينَ رُجُوعِي للكُرْسِي، ذُهلْت! وسَقَطَ من يدي الفنجانُ و انِسَكَبَ على السجادةِ.
غُرَابْ!
ماأراه هو غرابٌ على الكرسي، كيف دَخَل؟!
النافذة؛ عبر النافذة! لقد كانت مفتوحة، هكذا أتيت أيها اللئيم. 
لوحت له لأن يَرحَلَ، ولكنهُ ثابتٌ على الكرسي.
قُمْ أيها العنيد، إِرْحَلْ.
يالك من طائرٍ شُؤم. ما الحل؟ قل لي كيف أَطْرُدُك؟
أريد أن أجلسَ، ولكنهُ أَخَذَ مكاني، أسيسعني أن أنتظر حتى يرحل.
*****
مَزْرَعةُ جَدْي أَصبحت أعشاشاً للغِرْبَانْ.
هذا الطائر الأسود ذو الصوت الرَخّيم المُنفر، لا أَدْرِي كيف أتى، جَدْي قد أثقل ظهري بذلك الحِمْل، كيف أرعي المزرعة وليس عندي أدنى فكرة عن الزراعة، وَظَفْتُ مُهَنْدِساً زِرَاعِياً وعُمَالاً لكي يجتهدوا في المزرعةِ، ولكنهم كانوا كسالى مَادّيين فَطَرَدتُهم، ولم أَجِد حتى هذا الوقت أحداً آخر ليعملَ فيها، الوحيد الجاد في حصْدِ المحصولِ لنفسه هو ذلك الغُرَابْ الذي قاد سربه بأكملِهِ للمزرعةِ.
*****
اللعنة! فلترحل. أجهدني الكلامُ، فَقَررتُ أن أذهبَ لأنالَ قسطاً من الراحةِ، تَرَكْتَهُ وتركت لَهُ النافذة مَفْتُوحةً، لعله يرحل!
في الصباح أستَيقَظْتُ، المنزلُ هادئ لعله رحل!
وقبل أن تكتملَ إبتسامتي، صُدِمْتُ بوجودِ السربِ كله في المنزلِ، لعلي أخطأت بترك النافذة مفتوحة.
أظن أنه علىّ الرحيل، حَمَلتُ ماأستطعتُ من حاجياتي وتَرَكْتُ المَنْزِلَ.
*****
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: